أ.د. أماني ألبرت
على كومة الرماد، وجَّه أيوب كلماته، كسهام مسنونة ضد واقعه وضد الله، وهي نفس الكلمات التي تمر على أذهاننا ونحن في ضيقه، فقال:
1. أتمنى الموت
كان أيوب حكيم، حين طلبت منه زوجته أن يلعن الله ويموت في بداية التجربة (1: 11) قال لها: “تتكلمين كلامًا كإحدى الجاهلات”، ولكن طول التجربة مع عدم وجود منفذ، ابتعد أيوب عن حضور الله تدريجيًا، وأصبح مشغولًا بما هو فيه، كانت روحه معبأة ببقايا الحضور الإلهي ثم بدأت النار تخفت ولم يضرم أيوب النار على المذبح، وشيئًا فشيئًا خفت الضوء الداخلي الذي كان يرشده ويقوده، وهنا أصابه ما أصاب شمشون “أضعف وأصير كواحد من الناس” (قض16: 11).
وحينما ضعف أيوب بدأ يفكر كما يفكر الناس العاديين، وتمنى الموت لنفسه، وبالمناسبة لم يكن أيوب شخصًا عاديًا بسبب تواجده في حضور الله، فحين حدثت معه التجربة كان من المتوقع أن يختبئ داخل حضور الله ولكنه ترك المخدع فضعف وبدأ يفكر كسائر البشر.
الأمر الوحيد الذي يمكن أن يحمينا من التجارب ومقاصد الشرير هو اختباؤنا تحت جناحي القدير “بخوافيه يظللك” (مز91: 4)، أو “بريشه الناعم يظللك”. نعم، قد تكون الظروف ملتهبة وحارقة، لكن الرب يظلل أولاده بريشه الناعم حتى لا يتأذوا، وريشه الناعم يخفف من الاكتواء بنار الظروف، فتصبح بلا تأثير عليهم كما حدث مع الفتية الثلاثة، فبسبب وجود الرابع الشبيه بابن الآلهة معهم في النار “لم تكن للنار قوة على أجسامهم، وشعرة من رؤوسهم لم تحترق، وسراويلهم لم تتغير، ورائحة النار لم تأت عليهم” (دا3: 26)، وهو ما يريده لنا في نيران التجربة، المهم ألا نبتعد عن محضره. هذا الريش الناعم يحمي أذهاننا من نيران عدم قدرتها على تحمل الخسارة كما حدث مع زمري الملك الذي أغلق القصر وحرق نفسه وانتحر. هذا الحضور الإلهي يجلب معه حماية لأفكارنا من اليأس والرغبة في الموت فيتجدد مثل النسر شبابنا (مز103: 5)، أي لا تشيخ عقليتنا أو تعجز بسبب ما تراه في الواقع الطبيعي، بل تتجدد وتثق أنه مهما كان حجم المشكلة فالله أكبر منها.
استخدم الشيطان زوجته كأداة لتحقق مكيدته وأمنيته وهي أن ينتحر أيوب، فالشيطان يعلم من سابق تجاربه مع الله أن النهايات مختلفة تمامًا وأن أزمنة الحلول والتعويض ستأتي لا محالة، مهما كان ضعف الشخص المختبر، لأن الرب لا يترك أولاده بل يدعمهم ويسندهم ويضمد جراحهم ويقيمهم ويجبر كسرهم. لقد عرف الشيطان النهاية، فهي قصة جديدة تكتب فشله وانتصار الله لأولاده، فأراد أن يغري أيوب بالموت!
فكرة أنه لا أمل أو لن تنصلح الأمور هي فكرة شيطانية يحاول العدو السيطرة بها على ذهن الشخص المُجّرَّب، وحينما يوهمه بصحتها يبدأ يتمنى لو لم يولد أساسًا ثم يتمنى الموت لنفسه كما حدث مع أيوب.
وليس أيوب هو الوحيد الذي تمنى الموت لنفسه، فقد أُصيب إيليا بالاكتئاب والخوف من تهديدات إيزابل بقتله فقام وهرب. “وطلب الموت لنفسه، وقال: قد كفى الآن يا رب. خذ نفسي لأنني لست خيرًا من آبائي” (1مل19: 4)، ولكن الرب عالج إعياءه ولمسه وأعطاه القوة إلى أن أعلن عن ذاته له وصحح تفكيره.
بعد هذا
ويبدأ الإصحاح الثالث من سفر أيوب بعبارة “بعد هذا” (ع1)، وهي تشير إلى تحول ما في الموقف وفي الحوار وفي طريقة التفكير، فنحن هنا أمام مرحلة انتقالية تبدأ فيها المعركة في بُعد جديد داخل عقل أيوب وروحه، وتتحول لساحة أخرى بالإضافة إلى آلامه الجسدية، وهي مرحلة حاسمة لأنها تفتح بوابة خطيرة مرتبطة بكيف سيفكر في معاناته، وكيف سيفكر في الله. فخارج محضر الله، كان هجوم الشيطان على ذهنه أسهل من هجومه على جسده. لقد حدث تحول من تسليمه واستسلامه الكامل لله إلى نفاذ صبره، وبسبب ألم جسده الرهيب وصراعه الداخلي العنيف انفجر في كلامه ولعن يومه.
ورغم أن كلماته لم تصل لحد أن يلعن الله بشكل مباشر، ولكنها كانت تحمل تساؤلات تخص عنايته. وما أن فتح أيوب هذا الباب، كما يتضح من النص، يتزايد الضغط، وقد بدأ ينكسر وينهار تحته، مع استمرار هذا الألم المتواصل وغير المبرر، فلا يوجد أصعب من تحمل المتاعب غير المبررة، لأنه إذا تمكنا من رؤية سبب ما لما نمر به، ربما يمكننا تحمله بسهولة أكبر.
يقولون إن الرغبة في الموت تأتي من رغبة فطرية في الحياة، فحينما يفقد الناس كرامتهم أو أملهم بتحسن الأوضاع ييأسون ويصارعون، وهو ما حدث مع أنبياء الله في العهد القديم، مثل إيليا وموسى ويونان وإرميا.
ولكن عندما تبدو المشكلة غير واضحة، ولا يحدث شيء، فإن ذلك يشكل ضغطًا رهيبًا على النفس. وهنا شملت صرخته ثلاثة أسئلة:
– السؤال الأول: “لماذا ولدت؟” (ع1)
– السؤال الثاني: “لماذا لم أمت عند الولادة؟” (11-19)
– السؤال الثالث: “لماذا لا أستطيع أن أموت الآن؟” (20)
حجة أيوب هي: “ما هو الغرض من حياتي؟ ما الفائدة من الحياة المليئة بالبؤس بحيث لا يمكنك فعل أي شيء سوى المعاناة والشعور بالألم؟ حياتي لا تنتج سوى الخوف والمتاعب، لذلك سيكون من الأفضل أن تنتهي الآن.”
وما أخبث الأفكار التي يزرعها العدو في ذهن المجرب، فكما قال الله في (تكوين 1: 3)، “ليكن نور”، تحدث أيوب عن يومه، مستخدمًا نفس المصطلح بالعكس “ليكن ذلك اليوم ظلامًا” (ع4) في تحدى واضح لما يقوله الله.
انهارت معنويات أيوب، فلعن يوم مولده وتمنى لو لم يكن، وحين ضعف أيوب بدأ يفكر كشخص عادي فقال: “تلك الليلة هي ليلة سوداء” (3: 6).
وهو مثل إرميا الذي قال: “ملعون اليوم الذي ولدت فيه، اليوم الذي ولدتني فيه أمي لا يكن مباركًا. ملعون من بشر أبي وفرحه وقال له: أنجبت ابنًا.. لأن الله لم يقتلني من الرحم، حتى تكون أمي قبري، وتبقى حبلي إلى الأبد، لماذا خرجت من الرحم، لأرى البؤس والحزن، وتنتهي أيامي في العار؟” (إر20: 14-18)، غير أن إرميا يتحدث إلى الله وليس عنه.
وتنازل أيوب المؤمن عن بعض إيمانه، معترفًا بقوة السحر وقد تمنى أن يستدعي العرافين القدماء ليلعنوا يوم ميلاده فقال: “ليلعنه السحرة الحاذقون في إيقاظ التنين”! (3: 8). لقد تبدل حال هذا التقي الذي لا يرى إلا الله ولا يثق إلا فيه لزحزحة ما يعتقده، فقال إنهم قادرون بالسحر على جعل اليوم يوم نذير شؤم.
ومن اكتئابه نسي أيوب كل الخير العظيم الذي صنعه الله معه قبلًا فوصف كل حياته بالتعاسة “لأنها لم تقفل بطن أمي عليّ، ولم تبعد التعاسة عني” (ع10). ويستكمل في الإصحاح الثالث فيتمنى الموت عند ولادته حتى ينال الراحة من تعبه: “ليتني مت لما ولدت! ليتني مت لما خرجت من البطن.. لولا ذلك لكنت الآن راقدًا في هدوء، ونائمًا في راحة” (11، 13)، وبدأت أسئلة “لماذا” تحاور عقله فقال: “لم لم أولد ميتًا؟ لم لم أنتهِ فور خروجي من البطن؟ لماذا كانت هناك ركبتان لتحملاني؟” (11-12) “لماذا لم أولد ميتًا وأدفن مع كل الأطفال الذين لم يروا النور أبدًا؟” (16) “لماذا النور للتعساء، والحياة لمن نفوسهم مرة؟.. لماذا الحياة لمن لا يرى طريقه؟” (20، 23) “الذين لا يستطيعون تخيل شيء أفضل من الموت” “إلى الذين يريدون الموت ولا يأتي؛ الذين يبحثون عنها أكثر من الثروة السرية (21)”.
#يتبع