بقلم الدكتور القس ﭽورﭺ شاكر
نائب رئيس الطائفة الإنجيلية بمصر
في الرسالة إلى العبرانيين ص11، ترسم لنا ريشة الوحي المقدس صورة جميلة لباقة متميزة من أبطال الإيمان. ويا لروعة دقة الوحي المقدس، إذ وهو يقدم لنا أي شخصية كتابية، يرسمها لنا بكل إيجابياتها وسلبياتها، بكل ما فيها من قوة وضعف، ومن خير وشر.
وبدون أدنى شك توجد رسائل معينة يريد الله أن يرسلها ويوصلها للإنسان من خلال هذا الأمر، أذكر منها الآتي:
أولًا: الجميعُ زاغوا وفَسَدوا معًا
نعم! إن كل البشر قد أخطأوا، فلا يوجد ما يسمى بأسطورة الشخص المعصوم من الخطأ، هذه حقيقة واضحة وضوح الشمس في كلمة الله، فمكتوب في (جا7: 20): “لأنه لا إنسان صديق في الأرض يعمل صلاحًا ولا يخطئ”، وفي (رو3: 10-12): “أنهُ ليس بار ولا واحد… الجميع زاغوا وفسدوا معًا. ليس من يعمل صلاحًا ليس ولا واحدٌ”.
ونرى في كلمة الله على سبيل المثال إبراهيم خليل الله… قامة وقمة إيمانية، وفي نفس الوقت نقرأ عنه أنه كذب، عندما قال عن سارة إنها أخته مرة أمام أبيمالك، ومرة أخرى أمام فرعون (تك12:13؛ 20: 2). وموسى النبي العظيم عبر التاريخ، تصوره عدسة الوحي المقدس متلبسًا بجريمة قتل (خر2: 12). وداود الملك والنبي والمرنم الحلو، تسجل عنه كلمة الله أنه زني وقتل (2صم 11). وسليمان الملك الحكيم الذي شيد الهيكل، نقرأ عنه أن النساء أمالت قلبه (1مل11: 3). وفي العهد الجديد، نقرأ عن يعقوب ويوحنا أنهما طلبا نارًا تنزل من السماء وتحرق السامرة حتى أن الرب انتهرهما وقال لهما: “من أي روح أنتما!” (لو9: 55). ونقرأ عن بطرس أنه أنكر بقسم أنه لا يعرف المسيح (مت 26)، وعن يهوذا أنه خان وباع السيد (يو 13)، ونقرأ عن التلاميذ أنه في يوم من الأيام حدثت بينهم مشاجرة (لو22: 24)، وعند الصليب يذكر البشير متى كلمات في منتهى القسوة إذ يقول: “حينئذٍ تركه التلاميذ كلهم وهربوا” (مت26: 56).
والرسول بولس يعِر عن الصراع المحتدم الدائر بداخله في قوله (رو7: 15، 24): “لأني لست أعرف ما أنا أفعله، إذ لست أفعل ما أريده، بل ما أبغضه فإياه أفعل”.
والرسول يوحنا يلخص هذه الفكرة في قوله: “إن قلنا: إنه ليس لنا خطية نضل أنفسنا وليس الحق فينا.. إن قلنا: إننا لم نخطئ نجعله كاذبًا، وكلمته ليست فينا” (1يو1: 8، 10).
نعم! لم يذكر التاريخ البشري بأكمله منذ آدم إلى يومنا هذا إلا شخصية واحدة سارت على أرضنا، ولم تقترف خطية واحدة وهو الرب يسوع، المكتوب عنه: “الذي لم يفعل خطية، ولا وجِد في فمه غش” (1بط2: 22)، ذاك الذي استطاع أن يتحدى الأعداء بقوله: “من منكم يبكتني على خطيةٍ؟” (يو8: 46).
ثانيًا: من المهم أن نعترف ونتوب عن خطايانا
في الحقيقة، ليست المشكلة أن الإنسان يخطئ، لكن المشكلة هي أن الإنسان عندما يخطئ يحاول بكل طريقة تبرير خطئه، أو يستخف ويستهين به، ثم يكرره، إنما يجب أن مَنْ يخطئ يفعل كما فعل داود إذ نقرأ أنه اعترف وندم وبكي على خطاياه فمكتوب عنه في (مز6: 6): “أُعَوِّمُ في كُلِّ ليلَةٍ سريري بدُموعي”، وصلي قائلًا: “ارحمني يا الله حسب رحمتك. حسب كثرة رأفتك امح معاصي. اغسلني كثيرًا من إثمي، ومن خطيتي طهرني. لأني عارف بمعاصي، وخطيتي أمامي دائمًا. إليك وحدك أخطأت، والشر قدام عينيك صنعت” (مز51: 1-4). وبطرس عندما أنكر المسيح، مكتوب عنه: “فتذكر بطرس كلام يسوع الذي قال له: إنك قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات‘. فخرج إلى خارج وبكى بكاءً مرًا” (مت26: 75). والمرأة الخاطئة التي جاءت إلى الرب يسوع في انكسار نفس، وتوبة قلب، تبكي بحرارة وبدموع غزيرة حتى أنها بللت قدميه بدموعها وأخذت تمسحهما بشعر رأسها (لو 7: 38).
وكم نشكر إلهنا، فعندما نأتي إليه معترفين بخطايانا نراه يغفر لنا ويصفح عنا، فمكتوب: “إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل، حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم” (1يو1: 9).
نعم! ليس عيبًا أن تخطيء فكلنا في الموازين إلى فوق، إنما العيب أن تستمر وتتمادى في الخطأ.
ثالثًا: يوجد رجاء أمام أشر الخطاة
في مستهل إنجيل متى، نرى الوحي المقدس يسجل لنا قصة ثلاث زانيات وهن ثامار (مت1: 3) وقصتها بالكامل نجدها في سفر التكوين ص 38، وراحاب (مت 1: 5) وقصتها بالكامل في سفر يشوع ص 2، وبثشبع (مت1: 6) وقصتها بالكامل في سفر صموئيل الثاني ص 11.
وهنا نجد أنفسنا أمام علامة استفهام كبيرة، وهي: لماذا سجل الوحي مثل هذه القصص؟!
في يقيني إن الوحي المقدس قصد أن يعلمنا أنه يوجد رجاء أمام أشر الخطاة، فالإنجيل بشارة رجاء لكل الخطاة، فكلما كثرت الخطية ازدادت النعمة جدًا.
أجل، ليست المشكلة في أن الإنسان يخطئ، ولكن المشكلة في أن يصاب باليأس والإحباط بعدما يخطئ متخيلًا بأنه لا علاج ولا غفران لخطاياه.
في يقيني أن الوحي المقدس يسجل أخطاء أبطال الإيمان ليعطي الرجاء لأي خاطئ لم يخلص بعد… لنفترض أن شخصًا مريضًا بمرض خطير، وعليه أن يقوم بإجراء عملية جراحية في منتهى الخطورة، ألا يكون أعظم مشجع ومطمئن له أن يقابل شخصًا اجتاز في نفس المرض وأجرى نفس العملية وخرج منها بصحة طيبة؟
رابعًا: يتذكر الإنسان خطاياه ليحفظ نفسه من الكبرياء
في (1تي1: 15)، يقول الرسول بولس: “صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول: أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا”. والتعبير (أول الخطاة) بمعنى أبشع وأشنع الخطاة. والسؤال الذي يطرح نفسه هو: لماذا يعترف بولس بهذا الاعتراف؟! لماذا يشهد عن نفسه بهذه الشهادة؟! بالرغم أن طبيعة الإنسان أن لا يعترف بخطيته، ولكن في اعتقادي أنه فعل هذا لكي يحفظ نفسه من الكبرياء.
وضع أحد خدام الله المباركين يافطة على مكتبه، مكتوب عليها بحروف بارزة: “تذكر أيام عبوديتك”.
نعم! من الرائع أن يتذكر الإنسان خطاياه فيحفظه ذلك من الكبرياء.
خامسًا: الشيطان يقاومك وأنت ناجح روحيًا
نعم! عندما يرتفع منسوب الإيمان في حياة الإنسان عليه أن ينتبه لأنه سيكون في ذلك الوقت هدفًا يصوب الشيطان سهامه المسمومة نحوه، كيف لا؟! فهل ننسى ما رصدته عدسة الوحي المقدس في سفر زكريا عندما صورت يهوشع الكاهن العظيم والشيطان يقاومه فمكتوب في (زك3: 1): “وأراني يهوشع الكاهن العظيم قائمًا قدام ملاك الرب، والشيطان قائم عن يمينه ليقاومه”.
وفي العهد الجديد، نرى ريشة الوحي ترسم لنا الرب يسوع في مشهد بديع مجيد ساعة المعمودية، فمكتوب: “فلما اعتمد يسوع صعد للوقت من الماء، وإذا السماوات قد انفتحت له، فرأى روح الله نازلًا مثل حمامة وآتيًا عليه، وصوت من السماوات قائلًا :”هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت” (مت3: 16، 17).
وبعد هذه الصورة البديعة الجمال نرى البشير متى يسجل قائلًا: “ثم أصعد يسوع إلى البرية من الروح ليجرب من إبليس” (مت4: 1).
والرسول بطرس بعد اعترافه العظيم الذي فاه به عندما قال للرب يسوع: “أنت هو المسيح ابن الله الحي!”. (مت16: 16). وبعد ذلك، أعلن الرب يسوع لتلاميذه خطة الصليب، وهنا يسطر الوحي أنه “من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيرًا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويقتل، وفي اليوم الثالث يقوم. فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره قائلًا: حاشاك يارب! لا يكون لك هذا!. فالتفت وقال لبطرس: اذهب عني يا شيطان! أنت معثرة لي، لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس” (مت16: 21-23).
من كل هذه الشواهد نتعلم أنه على المؤمنين أن ينتبهوا، فساعة التجربة قد تأتي بعد قمة النجاح الروحي.
سادسًا: تسلح بسلاح الله الكامل وقاوم إبليس
عندما يدخل المؤمن في صراع وحروب مع الشيطان عليه أن يثبت ولا يتزعزع، وبكل ثقة وإيمان يقاوم ويحارب، فيقول الرسول بولس: “حاملين فوق الكل ترس الإيمان، الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة” (أف6: 16). ويقول الرسول يعقوب: “قاوموا إبليس فيهرب منكم” (يع 4: 7). ويقول الرسول بطرس: “فقاوموه، راسخين في الإيمان” (1بط5: 9).
وإذا لم يستطع المؤمن أن يقاوم ويحارب فعليه أن يهرب من مكان التجربة. فهل ننسى نصيحة الرسول بولس عندما قال لتيموثاوس: “أما الشهوات الشبابية فاهرب منها” (2تيمو2: 22)، وما سطره الرسول بطرس: “هاربين من الفساد الذي في العالم بالشهوة” (2بط1: 4).
وفي كل الظروف، النتيجة محسومة لصالح المؤمن والانتصار حليفه، وفي النهاية سيشدو المؤمن قائلًا: “يعظم انتصارنا بالذي أحبنا” (رو8: 37)… “شكرًا لله الذي يعطينا الغلبة بربنا يسوع المسيح” (1كو15: 57).
سابعًا: علينا أن نعيش حياة الفرح والشكر
أعتقد أن الوحي المقدس قصد أن يذكر خطايا أبطال الإيمان ليذكِّرهم بما فعله الرب يسوع لكي يغفر خطاياهم، فمكتوب: “وبدون سفك دم لا تحصل مغفرة!” (عب9: 22).
بالطبع ليس المقصود من هذه الذكرى إثارة الأوجاع، والإصابة بالاكتئاب والإحباط، بل لإيقاظ ينبوع والفرح إزاء محبة ونعمة الرب يسوع التي غفرت وسترت كل خطية في حياتهم، وأيضًا لتفيض قلوبنا بالشكر العميق لإلهنا لصنيعه العظيم معنا، ونعيش الإيمان العامل بالمحبة.
عبرة في عبارة
الخطية تبعــدك عن قراءة كلمــة الله…
وقراءة كلمــة الله تبعــدك عـن الخطيــة.